حيـنَ ينطفـئ العُلـوّ ..

ها أنا كـ ثريا عالقةٌ في إحدى قصوري العملاقة تتدلى من سقفٍ 
شاهق تشعّ بنورٍ لا ينطفئ يحدّق الجميع بانبهارٍ ببريقِي لكن!
لا أحد يرى الظلمة التي تحيط بي عندما انطفى 
كم مرّ عليّ من وجوهٍ مبهورة وكم غمرتُ القاعات بضوئي البارد
دون أن يسألني أحد .. هل أرغبُ في هذا الضوء؟ 
هل أريدُ حقًا أن أبقى معلّقةً هنا ثابتةً لا تهوي متوهّجةً رغمًا عني؟

مللتُ هذا الثبات المتغطرس هذا العلو الذي لا يسقط وكأنني محكومةٌ بأن أظل شاهدةً  على كل العابرين دون أن أعبر أُنير لهم طريقهم بينما يتركونني وحيدةً في العتمة

مملكتي مترامية الأطراف باذخةٌ حدّ العجرفة لكنها باردةٌ كقلبِ مجرّةٍ نائية لطالما كنتُ رمزًا للسمو لصورةٍ خالدةٍ لا يطالها التغيير لكنني 
بدأتُ أتساءل أي قيمةٍ لهذا الضوء إن لم يدفئني؟ أي مجدٍ أن تكون فوق الجميع بينما لا أحد يصل إليك ؟

عشتُ ألف عامٍ دون أن أشعر بلمسةِ الزمن كأن الثبات قانوني الأزلي وكأنني شيءٌ وُجدَ ليبقى عاليًا بعيدًا لا ينكسر ولا ينحني لكنني مللتُ .. مللتُ كوني نصبًا لا يشيخ يمرّ به العابرون بانبهارٍ ثم يرحلون 
بينما أبقى كما أنا كوكبٌ يدور في فلكٍ مغلق لا يملك خيار التوقف 
أو الانحراف كنت أظن أن الخلود نعمة لكنه لم يكن سوى دوامةٍ لا نهاية
متاهة زجاجيةٌ شفافة أرى من خلالها كل شيء لكن لا شيء يصل إليّ

تمر السنوات على قصري كما تمرّ على الكواكب البعيدة بلا أثرٍ
 ولا صوت ووجوه العابرين تتبدّل يدخلون تحت ضوئي ويخرجون منه وكأنهم لم يكونوا .. يتركون خلفهم صدى أصواتٍ لا تعنيني ويأخذون معهم ما لم يكن لي أبدًا .. لم يسألني أحد يومًا إن كنتُ أريد البقاء هنا إن كنتُ أريد أن أكون أكثر من مجرد ضوءٍ مسيّر يُضاء حين يُطلب منه وينطفئ حين يُستغنى عنه

لكن شيئًا ما تغيّر هناك صدعٌ خفي بدأ يتسلل إلى هذا الارتفاع المترف زجاجي الشفاف الذي كنت أظنه أبديًا بدأ بالتصدّع وشظاياه اللامعة 
كحبات الثلج تنهمر بصمتٍ بطيء تذوب تحت حرارة الرغبة بالعدم

أشعر بهذا الذوبان يتسلل إليّ كأنني أخيرًا أتلاشى من القمة
 التي لم أخترها وأعود إلى شيءٍ يشبهني أكثر إن كان هذا القصر سمائي فقد بدأ المطرُ أخيرًا .. 
ترى هل أنا على وشك الانهيار أم التجلي؟!

 . كارمـا

المشاركات الشائعة من هذه المدونة